مركز بنتيلي الإعلامي مركز بنتيلي الإعلامي
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...

المغرب والكركرات: وراء الأكمة ما وراءها! (مقال تحليلي )


الحدث:
منذ فترة والاحتلال المغربي يراكم الاستفزازات، ويستغل جميع الفرص الممكنة لتبرير توسعه في المنطقة العازلة بينه وبين قوات جبهة البوليساريو وفقا لاتفاقية وقف إطلاق النار التي وقع عليها الطرفان سنة 1991 ضمن مخطط التسوية الأممي الأفريقي، الذي وضع أسس الوساطة الأممية الأفريقية لتصفية الاستعمار من الصحراء الغربية.
ويمكن في هذا الإطار إدخال كل الأنشطة العسكرية، والدبلوماسية التي يقوم بها المغرب خلال العقد الأخير، وكثفها في السنوات الثلاث الأخيرة على الأقل، ومنها انضمامه للاتحاد الأفريقي، رغم أن الجمهورية الصحراوية ما تزال فيه، مرورا عبر كل الصراعات الثانوية التي حاول عبرها إقناع الاتحاد بتجميد عضوية الجمهورية وما رافق ذلك من مواجهات في الموزمبيق، وفي اليابان، وفي الاتحاد الأوروبي، حيث جلس ممثلو الجمهورية الصحراوية مع نظرائهم الأفارقة والدوليين، بمن فيهم أعضاء الجامعة العربية في غينيا الاستوائية، ندا بند.
لكن الانتكاسات المتتالية، والضربات الموجعة التي وجهت لادعاءات وبروبغندا الرباط بشأن الصحراء الغربية، إضافة إلى سوء علاقتها مع جل حلفائها (السعودية، الإمارات، اسبانيا، أمريكا...الخ)، جعلتها تعود لسياساتها القديمة المعتمدة على ابتزاز الجميع عبر التهديد بإمكانية سقوط النظام في المغرب ما لم تتحلق جوقة الداعمين الدوليين للنظام الملكي لتنقذه من النهاية المحتومة، بسبب تراكم المشاكل والأزمات في المغرب، على جميع الواجهات السياسية، والاقتصادية، والإجتماعية، وأكثر من ذلك، البنيوية العميقة. فنظام الملكية بالمغرب دخل منذ سنوات مرحلة الإحتضار، وهو يحاول الآن تحقيق انتفاضة أخيرة قد تجلب له انتعاشا ما، ينقذه من الهلاك المحتوم.
وهاهو النظام التوسعي، يريد خلق مشكلة دولية بمحاولة التوسع للسيطرة على منطقة الكركرات حتى يستنفر حلفاؤه رغما عنهم، حيث روجت حكومة الاحتلال المغربية عبر عدة وسائط إعلامية، ورسمية أنها تشتغل على مشروع "كبير" لإنشاء منصة لوجيستية بمنطقة الكركرات: "لتفادي المشاكل والخسائر الاقتصادية المرتبطة بمعبر الكركرات" طبعا.
ويتمثل هذا الإنجاز المغربي العظيم في بناء 12 منزلا بمبلغ إجمالي قدر بـ10 ملايين درهم، لإيواء رجال الشرطة والعمال المغاربة العاملين في القطاع. أي أن المغرب يريد فرض بناء مستوطنة أخرى من مستوطنات وقواعد الجيش والسلطات المغربية بالمناطق المحتلة من الصحراء الغربية.
فما الذي يدفع المغرب إلى الدخول في مغامرة جديدة ربما قد تؤدي لعودة الحرب بين طرفي النزاع؟ ماهي دوافعه؟ وما هي الأهداف المحتملة من مثل هذه التحركات؟ لن ندعي في هذا النص التوفر على أجوبة دقيقة ونهائية لهذه الأسئلة، لكننا سنستعرض ما نعتبره بعض الأسباب والملابسات التي تدفع نظام الاحتلال المغربي للمغامرة. وأهم من ذلك، سنطرح بعض الأسئلة التي ينبغي للجميع الانتباه لها عند تحليل ما يجري أو عند التفكير في ردة الفعل الضرورية لمواجهة الخطط الإستعمارية المغربية.
إشارات هامة:
تتداخل مسببات التخبط المغربي منذ سنوات، وتتشابك لتشمل ما هو ذاتي خاص بالنظام وأزمة القيادة، وماهو داخلي خاص بالأزمة متعددة الأوجه في المغرب (أنظر التحليل التالي على الصفحة)، وما هو خارجي خاص بالتوجيهات التي تتحرك على أساسها الرباط بإيعاز من فرنسا، وإلى حد ما من الاتحاد الأوروبي، وماهو جيوستراتيجي خاص بالمكانة التي يريد المغرب أن يلعبها لتمثيل المصالح الفرنسية الأوروبية الغربية في شمال وغرب أفريقيا، وماهو بحث عن موقع في الخارطة الاقتصادية الدولية التي ترسم الآن، والتي تقودها إلى حد كبير الصين على المستوى العالمي لذلك نجد أن النظام المغربي برغم أننا نحسبه على الغرب، إلا أنه يحاول أن لا يفقد شعرة معاوية مع القوى الأخرى، خاصة الصين (انضمام المغرب إلى المشروع الصيني الدولي "طريق الحرير الجديد")، وروسيا.
وبطبيعة الحال، سنحاول قدر الإمكان تلخيص ما نرمي إليه من أسباب وملابسات، ونكتفي أحيانا بالإشارات لأن التوسع في تحليل كل فكرة قد يحتاج لمقال منفصل إن أردنا التفسير الأبجدي المفصل لها.
الدوافع الذاتية للنظام: أزمة القائد
الملكية في المغرب تحتضر. هذا ما يتجاهله الجميع، أو لا يستطيع تصديقه، لكنها الحقيقة. جميعنا يتذكر التصريحات والتنبيهات المتعددة لابن عم الملك، هشام العلوي، حول المصير المحتوم للملكية ما لم تتدارك أخطاءها. وهي لم تتداركها، بل غاصت فيها بشكل أعمق، زادها في ذلك ضعف شخصية الملك ومرضه، وخضوعه في قراراته للنزوات، ولتضليل حاشية يجمع المغاربة أجمعين، دون استثناء تقريبا، على فسادها وفقدانها للخبرة ورجاحة العقل. إذا المشكل الأكبر والخطر الأعظم على المغرب وعلى جيرانه يتمثل في أننا أمام جسم استعماري توسعي بلا رأس حقيقي، أو برأس فاسد كي لا نقول فارغ.
ويعاني النظام في المغرب الآن من أزمة بنيوية حقيقية. نظام بنى سلطته وقدرته على الفعل باعتماد التهافت في المواقف الدولية، والتساقط في العمالة للقوى العظمى، وبيع الضمير، والذمة في كل القضايا خدمة للأجندات الغربية. ناهيك عن حقيقة أنه نظام تسيره مجموعة من التجار، وتجار المخدرات تحديدا. فحسب العديد من الشواهد، يبدو أن حاشية الملك، ولا نريد أن نقول الملك نفسه، متورطين في تسيير وإدارة والاستفادة من ملايير الدولارات، التي تصل إذا ما صدقنا تقرير الوكالة الأمريكية لمكافحة المخدرات والجريمة المنظمة، أزيد من 23 مليار دولار سنة 2017. وطبعا، لا بد من إيجاد الطرق الكفيلة بترويج هذه النقود وإدخالها الشبكة المالية العالمية، حيث يتم ذلك عبر مئات، إن لم نقل آلاف فروع بنك التجاري وفا المغربي، التابع للملك مباشرة، والخطوط الجوية المغربية أيضا إذا ما صدقنا اتهامات وزير الخارجية الجزائري المغربي لها في تصريحات رسمية سنة 2017. وهنا لا بد من الانتباه إلى القرار الأخير الذي اتخذه البنك المركزي الإيطالي ضد أنشطة الفرع الإيطالي للبنك المغربي التجاري وفا بنك أوروبا، الذي يستعمل دون شك لتبييض الأموال.
إذا وحتى لا نطيل، احتضار النظام، ومشاكله الذاتية، وعجز الملك عن الإقناع، وعجزه أيضا عن بناء الدولة، كما وعد مئات المرات في خطبه، لخدمة الشعب المغربي، وبناؤه ثروة طائلة ملوثة بأموال مجهولة المصدر وربما مرتبطة بشبكات تجارة المخدرات الدولية الخ، تضع المغرب في مواجهة الطريق المسدود، وتفرض عليه البحث العشوائي عن حلول للخروج من الأزمة. وضمن ذلك تدخل الكثير من التحركات، وحملات شراء الذمم، وشراء المواقف، وصلت حد شراء الأقلام العالمية المأجورة لكتابة مقالات تمجد الرباط، وتبرر فكرها التوسعي، وتحاول تضليل الرأي العام الدولي، والمغربي أساسا، عبر الترويج لنظام معتدل، مستقر، ومفتوح للمستثمرين، وهي جميعها صور كاذبة، لا تصمد أمام واقع المغرب الموبوء بالتطرف، والجريمة، والمخدرات، والدعارة، والفقر المدقع، وانعدام الفرص الاقتصادية في وضعه الحالي. مغرب في طريقه للإفلاس المالي والاقتصادي والسياسي.
الدوافع الداخلية: الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي المغربي
لن تجد مغربيا واحدا راضيا عن الوضع في المغرب. ولا حتى الملك محمد السادس، إذا ما صدقنا تذمره من الوضع في جميع خطبه. ويعيش المغرب حالة خطيرة من الفقر، والتخلف، وتراجع مستوى جميع الخدمات، ضعف التعليم والصحة، والبطالة المستشرية في أوساط الشباب، وارتفاع عدد المغاربة تحت خط الفقر، وفشل جميع الخطط التنموية باعتراف مباشر من الملك في جميع خطبه منذ سنوات.... إذا؟ لا شيء يسير على ما يرام في المغرب، وهو ما جعله حسب تقارير دولية يسجل المراتب الأولى في الدول التي يريد مواطنوها الهرب منها والهجرة بأي شكل من الأشكال، ويفضلون الموت غرقا في البحر على البقاء فيها.
ورغم ذلك، نجح المخزن حتى الآن في قمع والسيطرة على جميع الحركات الاحتجاجية من حركة 20 فبراير بداية هذه العشرية وحتى حركة أحرار الريف حاليا، ونجح أساسا عبر ممارسة سياسته القديمة، فرق تسد، في أوساط القوى الاجتماعية بأطيافها في إفشال جميع محاولاتها لتحريك الشارع المغربي الغائب في سبات عميق، رغم أنه يغلي، والدليل العنف والدموية التي تعرفها مدن المغرب خلال السنوات الأخيرة والتي راحت ضحيتها مجموعة من السواح ذبحا وتقتيلا.
القيادة السياسية في المغرب معدومة، وليس هناك أي تيار جامع للمغاربة ولمطالبهم مع أن الجميع يشتكي ظلم النظام الملكي. كما أن تصريحات اقتصاديين مغاربة كثيرين تفيد بأن المغرب قد أفلس اقتصاديا وماليا أو على الأقل هو يسير بخطى حثيثة ومتسارعة نحو ذلك، وسيضطر للإعلان عن إفلاسه قبل سنة 2020-2021، فقد ارتفعت مستويات المديونية الداخلية والخارجية إلى الحدود القصوى، وهي تتفاقم كل سنة، كما ارتفعت مستويات الفساد، وتبذير المال العام، وسوء الإدارة نتيجة عدم انسجام القيادة في البلد، وصراعاتها ومؤامراتها الداخلية.
ولا يخفى على أحد أن إفلاس بلد ما يعني أن حكومته ونظامه لم يعودا قاجرين على تسييره وبالتالي لم يعودا حاكمين فعليين له (وهو ما كان على كل حال ولو بشكل غير مباشر)، وبالتالي سيتحكم رأس المال الأجنبي، والبنك الدولي، والدائنون، والمصالح الخارجية بشكل مباشر وفعلي في سياسات المغرب، وسيملون على أي حكومة تتولى السلطة السياسات التي ستنفذ لأنهم هم من يمولون ويدفعون لها.
الأجندة الفرنسية الأوروبية:
 نفس التخبط الذي يعاني منه المغرب ونهايته القادمة تتربص بالدولة الفرنسية الحالية أيضا، الحامية الرئيسية لنظام الرباط، حيث بدأت أصوات فرنسية (الاجتجاجات الفرنسية التي فضحت هشاشة الاقتصاد الفرنسي) وأصوات أفريقية كثيرة ترتفع ضد الاستغلال الفرنسي، وتريد التخلص من سيطرة باريس على السياسة والاقتصاد في أكثر من 14 دولة أفريقية.
وفي هذا السياق مثلا يأتي قرار مجموعة من الدول الأفريقية للتخلص من السيطرة المالية الفرنسية على مقدراتها، عبر الخروج من عملة الفرنك الأفريقي، الذي تفرضه فرنسا منذ الستينات على 14 دولة أفريقية للحفاظ على السيطرة على اقتصاداتها. علما أن هذه السيطرة تعود على فرنسا حسب تصريحات مختلفة من مسؤولين ومثقفين أفارقة بأزيد من 500 مليار دولار سنويا، ناهيك عن النفوذ السياسي الذي تحرك بفضله باريس هذه الدول لخدمة أجنداتها. وحتى لا يشكك أحد في الأمر، يكفي البحث عن تصريحات جاك شيراك وغيره من السياسين الفرنسيين، الذين اعترفوا أنه بدون السيطرة الفرنسية على ثروات دول أفريقية، لأصبحت فرنسا دولة من الصف الثاني أو الثالث.
الآن، ونتيجة لتزايد التذمر الأفريقي، تدفع فرنسا ببيدقها المخزني للتسلل عبر بوابة العلاقات التجارية والاقتصادية المغربية مع دول الغرب الأفريقي. لكن، نتذكر جميعا كيف رفضت منظمة الإيكواس القبول بطلب المغرب الانضمام إليها، نتيجة الموقف النيجيري الرافض للسماح للمغرب بلعب دور الوسيط لتمرير الأجندة الفرنسية والأوروبية.
فرنسا تعاني أيضا من المنافسة الصينية، ومن منافسة عدد كبير من الدول التي باتت تزاحمها في حديقتها الخلفية الأفريقية، والولايات المتحدة الأمريكية لم تعد تعول كثيرا على فرنسا، التي تعتبر، وهذا ما ينساه الجميع، مجرد دولة أوروبية معتادة جدا، ولم تعد بتاتا تستطيع لعب دور القوة العالمية المؤثرة.
معبر الكركرات، إذا ممر استراتيجي، والمنفذ البري الوحيد الذي يستعمله نظام الاحتلال المغربي لمد يد فرنسا (واوروبا عموما) بريا عبر المناطق المحتلة من الصحراء الغربية، مرورا عبر موريتانيا للوصول إلى السنغال. ومن هناك، يبدأ التأثير الذي تريده فرنسا أن يشمل الدول الأفريقية في العمق.
وفي هذا الإطار يدخل أيضا سعي المغرب للسيطرة على المناطق الجنوبية من الصحراء الغربية وضمها بالقوة إن أمكن، للسيطرة على موريتانيا لاحقا، ووضعها فعليا بين فكي الكماشة الفرنسية (المغرب-السنغال) لانتزاع أي أحلام بالتنمية للدولة الموريتانية الشقيقة.
وهنا، لا ينبغي أن ننسى أن بامكان موريتانيا فعليا لعب دور همزة الوصل الحقيقية بين أوروبا والعمق الأفريقي بحكم تماسها المباشر مع السنغال ومالي والجزائر والصحراء الغربية. وبحكم توفرها على إمكانيات ما تزال لم تستغل بعد من بترول وغيره. هذه الثروة الكامنة، والمكانة التي يمكن لموريتانيا أن تلعبها تدفع فرنسا لتوجيه حرب باردة حقيقية ضد أي قيادة وطنية موريتانية، عبر تحريك السنغال ومن قد يتبعها ضد اي محاولة للاستقلال السياسي الموريتاني الحقيقي. كما أنها تريد أن يغزو المغرب السوق الموريتانية ليجعلها رهينة لسلعه ومواده، ويقطع الطريق أمام التقارب الموريتاني الجزائري الذي بدأت خطواته الأولى السنة الماضية فقط والذي إن تم تطويره إلى إمكانياته القصوى، سيمكن موريتانيا من الخروج نهائيا من محيط السطوة الفرنسية-المغربية.
ويبدو أن إسرائيل قد دخلت هي أيضا على الخط، حيث لوحظ حضور غريب لها في السنغال، ومغازلة غريبة بينها وبين الحركة التيجانية، وربما حركة السود في السنغال وموريتانيا إذا ما صدقت الاتهامات المتعددة ضدها مع أننا لا نتمنى ذلك.
التوسع جنوبا وحلم التأثير الفرنسي في العمق الأفريقي
الجميع يتذكر أيضا وعد المغرب لنيجيريا بمد أنبوب للغاز من البلد الأفريقي إلى المحيط الأطلسي. لكن المشكل هو أن تحقيق هذا الحلم يتطلب قبل كل شيء السيطرة على المناطق المحررة من الصحراء الغربية، ثم، إرغام موريتانيا على الرضوخ لرغبة فرنسا والرباط في الحصول على "سلاح" الغاز النيجيري للتضييق على الجزائر، وانتزاع السوق الأوروبي منها في هذا المجال. إذا، يمكن القول أن فرنسا تريد من الرباط أن تنفذ خططا أقل ما يقال عنها أنها إعجازية، لأن تطلب منه أن يعطيها ما لا يملك طاقة به.
نفس التأثير الذي تريد فرنسا أن يلعبه المغرب في دول الساحل، عجزت عنه الرباط بسبب عدم تماسها بريا مع دول المنطقة، ولذلك يحاول المغرب لي عنق الجغرافيا للعب دور جيوستراتيجي لا ينبغي له لعبه ولكن عبر وسائل خطيرة ستعود عليه إن عاجلا أو آجلا بالضرر الكبير (استعمال شبكات معقدة لتجارة المخدرات، الإرهاب، والهجرة للتواجد في دول المنطقة وبالتالي التأثير فيها بشكل غير مباشر وامتلاك القدرة على الإيذاء عند الحاجة. وهو ما حصل أيضا في ليبيا وتونس إذا ما صدقنا بعض الأصوات من البلدين التي تتهم الرباط بالتورط في بعض الأنشطة ضد البلدين). لكن الحاجز الأكبر الذي وجدته الرباط حائلا دون لعبها دورا في الساحل هما اللاعبان الرئيسيان الحقيقيان في المنطقة، الجزائر وموريتانيا. فكلاهما على تماس مباشر بالمنطقة، ولكلاهما حدود شاسعة ومهولة معهما. ويبدو أن موريتانيا قد سعت إلى لعب دور فعلي في الساحل خلال السنوات الأخيرة، وحققت تقدما كبيرا في ذلك إلى حد مقلق للمغرب وفرنسا معا، خاصة عندما عرفت كيف تعزز سيطرتها العسكرية على البلد، وتعزيز قواتها المسلحة لتقوم بمهامها الطبيعية فيها.
لكن، لن تتنازل فرنسا بتاتا عن التمسك بالتأثير في الساحل نظرا لحاجتها للتواجد القوي هناك للسيطرة على مصادر اليورانيوم خصوصا، فبدون مصادرها منه في النيجر وغيرها، ستغوص في طرفة عين في ظلام دامس، لاعتمادها بشكل شبه كلي على الطاقة الذرية في توليد الكهرباء.
الخروج من بيت الطاعة السعودي
يعاني نظام الاحتلال المغربي أيضا من جفاء لم يعد خافيا على أحد مع السعودية والإمارات نتيجة تفضيله قطر عليهما خلال الأزمة الأخيرة بين الدول الخليجية. ومعلوم أن السعودية ثم الإمارات من بعدها يعتبران وليا نعمة المغرب خلال عقود رعتا فيها نظام الرباط، وأنقذتاه مرارا من الإنهيار ومن الهزيمة العسكرية خلال الثمانينات، ثم دعمتاه، وخاصة السعودية، سياسيا ودبلوماسيا في جميع المحطات وداخل جميع المنظمات للبقاء، ولمواصلة احتلال الصحراء الغربية.
لكن هذه الأنظمة لا تعلم أن نظام الرباط ليس وفيا بتاتا لأصدقائه، ومستعد لبيعهم بأرخص الأثمان في سبيل تحقيق غاياته، والجميع يتذكر كيف باع الحسن الثاني أخاه صدام حسين، وأرسل جيوشه لحربه مع الغرب، علما أن النظام العراقي كان يغدق على المغرب العطايا في الثمانينات، من سلاح، وبترول، ودعم سياسي شامل بما في ذلك دعمه المؤسف للاحتلال غير الشرعي للصحراء الغربية. وفي لحظة واحدة، وللحصول على رضا الولايات المتحدة الأمريكية، تنكرت الرباط لبغداد في رمشة عين، بل ووجهة نفس الأسلحة التي أهداها صدام للمغرب ضده ضمن التحالف الدولي آنذاك.
نفس الموقف اعتمدته الرباط ضد إيران، وضد سوريا، وضد كوبا، وفينزويلا. بمجرد ما دخلت هذه الدول في مواجهة مع الغرب، انقلبت عليها الرباط دون أي مراعاة للعلاقات القديمة، وللصداقات، وللدعم الذي تلقته ربما في قضايا مختلفة. وهكذا سيكون ديدن نظام التوسع في المغرب ضد الجميع بدون استثناء.
خلاصة:
إن طرح جميع المعطيات على اختلافها، واستقراؤها دون الحاجة للكثير من التفكير، يشير إلى أن النظام الملكي المغربي يعيش فعلا مراحل سقوطه الأخيرة، ويبحث جاهدا عن مخرج للتخلص من المآزق الكثيرة التي وضع نفسه فيها خلال العقدين الأخيرن خصوصا.
ولم نطرح هنا مثلا الجفاء الذي يعيشه المغرب مع الولايات المتحدة نتيجة عدة أسباب أهمها الكره الشخصي من قبل ترامب للمغرب لدعمه كلينتون. ورغم تهافت نظام الاحتلال على تبني جميع المواقف التي يؤمر بها من قطع علاقاته مع إيران، إلى اعتماد سياسة أمريكا ضد فينزويلا، ودعم صفقة القرن، والانبطاح التام أمام الإدارة الأمريكية في كل شيء، كما لم نتطرق للخوف الكبير الذي يحسه المغرب تجاه ما سينتج عن الحراك الوطني في الجزائر، حيث أن خروج الجزائر قوية، متماسكة، ذات توجه ثابت وواضح من جميع القضايا سيشكل ضغطا إضافيا على الرباط، وسيؤثر بشكل أو آخر على الدور الذي ترغب الرباط في لعبه في المنطقة.
لكل هذه الأسباب، المتداخلة، وغيرها من الأسباب الثانوية، المتعلقة مثلا بحاجة الرباط للمعبر البري لتمرير مخدراتها، وسمومها للمنطقة، غالبا ما ستدخل المنطقة في مجابهات جديدة بين جيش الاحتلال المغربي، والجيش الشعبي الصحراوي، عندها، لن تكون ساحة المعركة هي المناطق المحررة من الصحراء الغربية، كما يتصور نظام الاحتلال، فلا أحد يستطيع تخيل أين ستصل نيران هذه الحرب، ولا أحد يستطيع توقع أين سيصل لهيبها، لأن المعطيات قد تغيرت، والشعب الصحراوي في السبعينات، ليس هو نفسه الآن لا من الناحية البشرية وامتدادها، ولا من ناحية الخبرة والإمكانيات. كما أن نظام الإحتلال ليس هو نفسه، لا من ناحية قيادته، ولا من ناحية علاقاته بأصدقائه وإلى أي مدى هم مستعدون للمغامرة معه كما فعلوا في السبعينات.
وفي نفس الوقت، ونتيجة ربما لكل هذه العوامل وغيرها، لا يريد المغرب أن يكون الباديء بالحرب، بل يريد دفع جبهة البوليساريو للرد بقوة على استفزازاته لعل وعسى أن ينجح في "إثبات" ادعاءاته المتكررة بأنها حركة إرهابية كما يحاول الترويج له بفضل بعض اللوبيات الأمريكية، رغم معرفته بصعوبة تحقيق هذا الأمر نظرا أيضا لوجود أصدقاء نافذين للشعب الصحراوي من الحزبين الديمقراطي والجمهوري في واشنطن وفي جميع عواصم العالم.
وبطبيعة الحال، يخشى المغرب كثيرا من التقارب الصحراوي الموريتاني، ويعمل جاهدا الآن على البحث عن أية إمكانيات لإشعال نار النزاعات والصراعات، وبث الفرقة والتشكيك، في أوساط الصحراويين عبر الترويج لمواقف موريتانية معايدة للصحراويين، أو عبر محاولة إغراق البلد بالمخدرات، والجريمة المنظمة، لدفع السلطات الموريتانية لاتخاذ إجراءات أو ردود فعل ما ضد الصحراويين، والعكس صحيح أيضا.
لكن، في المحصلة، لا يصح إلا الصحيح، ولا بد في النهاية من وجود عقلاء في المغرب وفي الساحة، لوقف هذا النزيف الذي يريد نظام الاحتلال دفع المنطقة إليه من جديد، ولا مناص من الإعتراف بأن الشعب الصحراوي قد أثبت طيلة خمسة عقود أنه عصي على الابتلاع، وعصي على الترويض، وعصي على الخضوع. وأنه كشعب لديه الحق في الوجود حرا، كريما على أرضه. عندها، يمكن الحديث عن بناء علاقات جديدة بين شعوب المنطقة، وبناء وحدة مبنية على الإحترام المتبادل، وعلى التعاون المتبادل، وعلى تبادل المنافع لمصلحة شعوب المنطقة، وليس لمصلحة فرنسا أو غيرها. ولن يتم ذلك بدون الإعتراف المغربي الكامل باستقلال الصحراء الغربية، وبسيادة الجمهورية الصحراوية على كامل ترابها الوطني. عندها يكون لنا حديث آخر.


للكاتب والديبلوماسي الصحراوي
ماءالعينين لكحل

عن الكاتب

حسين

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

مركز بنتيلي الإعلامي