مركز بنتيلي الإعلامي مركز بنتيلي الإعلامي
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...

هل لازلنا نتذكر الدكتور؟.

بقلم: السيد حمدي يحظيه

في الصورة : السيد محمد سالم بشرايا، الملقب بالدكتور.

منذ السبعينات تتواجد مخيمات اللاجئين في مكانها الحالي، دأب الصحراويون على رؤية ذلك الرجل الطويل القامة الذي يضلع في مشيته وهو يقف عند الكنترول او يمشي بين المخيم والكنترول كل صباح تقريبا متوجها الى عمله.. صحيح أنه كان يعاني من اجل ان يصل الى عمله، ويسلك ذلك الخط الجغرافي يوميا ويعاني نفس المعاناة مع النقل، لكن، من جهة اخرى، كان يفعل ذلك بصمت ويتحمل ما لايتحمله إلا هو.. ورغم تلك الصورة التي ارتسمت في مخيلة الناس عن ذلك الرجل إلا أن أيا منهم لم يسمعه في يوم من الأيام يتذمر أو يشكو. كانت معنوياته دائما مرتفعة وعزيمته لا تذوب.. كان اللجوء صعبا جدا على الأقوياء، لكنه هو رغم إعاقته الجسدية كان يحس أنه أقوى منهم، أكثر إقتناعا منهم وأكثر قدرة على التحمل.. واصل القيام بذات العمل ورسم خط السير الجغرافي ذلك يوميا؛ كان يسير في البرد، في الحر، وقت الريح متجها نحو الكنترول دون احتجاج، دون تذمر ودون شكوى.. كان الناس يسمونه الدكتور، يعرفون أنه يعمل في الإذاعة.كانوا يحترمونه، لكن في نفس الوقت كان في مخيلتهم يرمز للعناد ضد الطبيعية وضد القساوة، ويرمز للحب الكبير للوطن المحتل..

ولد شهيد

عرفه الناس باسم الدكتور، ورغم السنوات التي قضاها بينهم إلا أن غالبيتهم لا تعرف اسمه الحقيقي، وكانوا يكتفون بمناداته الدكتور، لقبه، حين ينادون عليه.. إسمه الحقيقي محد سالم بشرايا سيدي يحيى، إزداد بالعيون وترعرع فيها حتى بلغ الثامنة.. وهو طفل في الثامنة رأى والده يحمل السلاح ويخرج من المنزل ولا يعود.. لم يفهم ذلك في البداية، لكن في ظرف قليل عرف أن والده ثار مع الثائرين وضحى برتبته ومستقبله في الجيش الإسباني، واختار أن يقف في الصف المقابل لذلك الجيش الذي كان يستطيع أن يترقى فيه.. شارك في الهجوم على العيون وعلى لبلاية، وحين كانت إسبانيا تطارده هو ورفاقه أقاموا لها كمينا في الدشيرة.. كانت معركة كبيرة وقعت يوم 13 يناير 1958م، إستشهد فيها بشرايا والد الدكتور، ولم يعد إلى المنزل.. في الصباح كانت السلطات الإسبانية تطرد عائلة الدكتور من منزلها في العيون وتصادر أملاكها عقابا لها على قتال والدها للقوات الإسبانية.. وجد الدكتور، وهو طفل، نفسه هو وعائلته في الشارع.. ذهب مع والدته وبدأ رحلة تنقل طويلة بين طانطان وطرفاية للدراسة، لكن المضايقات المغربية لم تتركهم يهنؤون.. في نظر الدكتور وهو صغير، أصبحت إسبانيا التي قتلت الوالد أرحم بكثير من المغرب.. عادت العائلة للعيون مرة أخرى، وتمكنت بعد الكثير من المشاق من استعادة دراها..



لماذا سمي الدكتور؟

يعرف الناس في المخيمات ذلك الرجل الذي كان يتنقل وهو يضلع نحو الكنترول بالدكتور.. كلهم يقولون له الدكتور، وقلة هم الذين يعرفون اسمه الحقيقي.. الإسم الحقيقي تم إقباره تحت الإسم الحركي- الدكتور- وبما أنه كان يعمل في الإذاعة كان الناس يظنون أنه دكتور في الإعلام أو في مجال قريب من الإذاعة..

للإسم الحركي قصة..بين سنتي 66- 67، بدأ محمد سالم بشرايا يدرس الطب.. في ظرف سنتين أصبح طبيبا أو في موقع يؤهله أن يكون ممرضا.. بدأ أصحابه الديه النوشة، الكناش، حسان داهي وآخرون ينادونه بالدكتور، لصق به الإسم.. بما أنه هو كبير العائلة، كان يتعجل العمل ليحل محل الأب… حين تقدم للوظيفة كي يصبح طبيبا تم رفض قبوله بسبب صغر سنه.. كان عمره 16 سنة فقط.. تخاصم مع السلطات الإسبانية وضرب مسؤول الصحة في الصحراء بكرسي، لكنه أخطأه.. كان اسم مسؤول الصحة الذي ضربه الدكتور Magallon ، لازال يتذكر اسمه.. قرر ترك مهنة الطب.. لم يبق معه من تلك المهنة ما عدا لقب الدكتور.. عاد الى الدراسة من جديد في العيون، في المعهد، وفي نفس الوقت كان يقوم بتدريس اللغة العربية للذين لا يتقنونها.. رغم ذلك بقي اللقب معه، رحل معه إلى أي مكان ذهب إليه حتى استقر معه في الإذاعة التي قضى فيها الكثير من السنوات..

لوشاعة وبصيري

في المعهد تعرف الدكتور على شاب آخر يكره ظلم ونظام المغرب مثله.. الشاب إسمه لوشاعة محمد لمين، وسيعرف لاحقا، حين تبدأ الثورة، باسم عبيد لوشاعة.. كرههما للمغرب، معا، جعلهما يصبحان أصدقاء.. كانت نقاشاتهما تدور حول الوضع في الصحراء الغربية وأطماع المغرب فيها، وكانا يتفقان على أن إسبانيا هي، رغم كل شيء، أحسن من المغرب.. كان الشاب لوشاعة نشطا وذكيا، وكان يتنقل بكثرة بين العيون والسمارة.. في المدينة التاريخية، السمارة، إقترب لوشاعة من سيد ابراهيم بصيري، ودخل في الحركة النضالية التي تأسست آنذاك… حين عاد للعيون بدأ لوشاعة يشرح الوضع للدكتور، يجس نبضه، يتأكد هل يريد أن يصبح مناضلا في الحركة أم لا؟.. في الأخير صارحه بالحركة، وطلب منه إن أراد الإنضمام للحركة عليه أن يتصل بسيد احمد رحال.. تقدم الدكتور وأقسم أن يكون عضوا في الحركة وأن لا يخون شعبه.. حين زار بصيري مدينة العيون سرا في شهر مايو من سنة 1970م، طلب لقاء المثقفين من الحركة.. تم استدعاء الدكتور معهم.. أقام لهم بصيري محاضرة عن الوضع العام وشرح لهم كل التحديات التي تحيط بالمنطقة.. تعرف على بصيري، أصبح عضوا نشطا في النضال وشارك في مظاهرة الزملة.. قبض عليه وقضى ثلاثة أيام في السجن والتحقيق. القبض على بصيري وجماعته جعلت الدكتور يصاب بإحباط كبير وشبه صدمة.. ظن أن الثورة فشلت.. شهور بعد ذلك سمع أن مجموعة من الشباب تتحرك في الجنوب المغربي وتتحدث عن الثورة وتتظاهر ضد المغرب.. قرر أن يتصل بهم.. سافر إلى الرباط، وهناك التقى بالولي ومحمد لمين أحمد.. كرزماتية الولي رفعت مؤشر معنويات الدكتور.. عاد إلى المنطقة وهو يفور حماسا.. أعد دراسة شاملة عن المنطقة قيم فيها الوضع سياسيا واقتصاديا وذهب بها في العام الموالي إلى الطنطان كي يعرضها على الولي وجماعته.. تعرف على مجموعة الطلبة النشطة في الطنطان، وبدأ يتصل بهم.. كان يحمل الوثائق والكتب من عندهم ويوزعها في مدن الصحراء.. على الأرض نضجت فكرة الثورة، وسمع الدكتور أن ابراهيم غالي، وامهمد زيو، وأحمد القائد صالح سافروا نحو موريتانيا.. كان يحس أن شيئا ما سيحدث..

الولي يختار للدكتور الإذاعة بيتا

تأسست جبهة البوليساريو، إلتحق بها الدكتور من الأوائل، لكن، في نفس الوقت، واصل دراسته في جامعة Complutense في مدريد.. في يوم من الأيام جاء الأمر من البوليساريو للطلبة الصحراويين في أوروبا بالإلتحاق بالثورة.. ترك الدكتور منحته ومستقبله المضمون والتحق بالثورة.. تم تعيينه في سلك التعليم.. حين تأسست الإذاعة الوطنية جاء الولي يوما يبحث عن الدكتور.. أخذ يده وخرج به وطلب منه أن يلتحق بالإذاعة يساعدهم في الترجمة.. ذهب الدكتور إلى الإذاعة وبدأ يعمل فيها في تلك الظروف الصعبة.. بسبب قلة الإطارات تحول الدكتور إلى ثلاثة صحفيين في جلد صحفي واحد.. كان يترجم ويذيع ويعد البرامج… كرس كل حياته للإذاعة.. أصبحت هي بيته، هي مهنته وفيها قضى الكثير من السنوات.. تخصص في برنامج المدن المحتلة.. أسس برنامج ” مع الصامدين”، وهو برنامج بالحسانية موجه للمناطق المحتلة. أشعل ذلك البرنامج النار تحت أقدام الغزاة.. كان كل الصحراويين في المدن المحتلة يتجمعون ليليا يضعون المذياع يستمعون للدكتور وهو يشن حربه الإعلامية على المغرب..

ورغم أن الكثير من رفاق المهنة تركوا بيت الإذاعة بسبب الظروف، التعب والملل إلا أن الدكتور كان يحس أن هذا المجال هو الذي يستطيع أن يعطي فيه أكثر.. قرر أن يبقى في ذلك البيت يعمل في الإذاعة ليل نهار.. تحمل كل مشاق ذلك العمل في داخل الإذاعة وخارجها بصمت وحنكة.. حين كان يرى الرفاق يغادرون بيت الإذاعة، كان هو يغرز اوتاده أكثر في ذلك البيت، وفي نفس الوقت كان يحصد إعجاب الصحراويين في المخيمات والمناطق المحتلة..

في 87م حوَّل برنامج مع “الصامدين” إلى برنامج ” الصحراء ما تنباع”. في ظرف قصير اشتهر ذلك البرنامج وزادت شهرة الدكتور.. بدأ البعض يناديه ب” الدكتور، الصحراء ما تنباع”.

لكن مظاهر تأثير العمل في الإذاعة بدأت تظهر في عيني الدكتور. في سنة 89 بدأ الدكتور يحس أن بصره بدأ يضعف ويتعب.. ضعُفَ البصر، لكن المعنويات بقيت مرتفعة.. بقى مصرا على العمل في نفس البيت، كان يتحدى ضعف البصر، يصر، ويرسم صورة رائعة للصمود وللتفاني في العمل.. بقى يسير على نفس الخط الثوري، ويرسم نفس الخط الجغرافي من المخيم إلى الولاية.. لم يطلب في يوم من الأيام سيارة ولم يطلب أن يترك العمل وبقى مناضلا حتى فرض عليه ضعف البصر أن يترك بيته الذي اختاره له الولي في يوم من الأيام في أواخر سنة 1975م.. كل الصحراويين الآن يذكرونه بخير، وحين يتم ذكره أمامهم يقولون” وخيرت.”

عن الكاتب

مركز بنتيلي الإعلامي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

مركز بنتيلي الإعلامي