مركز بنتيلي الإعلامي مركز بنتيلي الإعلامي
recent

آخر الأخبار

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

المجتمع الصحراوي و القدوة...


مقال: حمدي حمودي

لا ينفرد المجتمع الصحراوي كثيرا عن المجتمعات المحيطة من ناحية الدين حيث أن الإسلام هو الدين الوحيد، غير أن تطبيقات هذا الدين من ناحية يختلط بالقيم والتقاليد التي تميز مجتمع عن آخر.
ولن أسترسل في الاحكام العامة والجزء النظري بل سأقرب المفهوم بمثال من الحياة العامة.
وسأقف عند القدوة أو الانسان المثالي، وهنا لا يمكن النظر بعيدا عن الرسول صلى الله عليه وسلم وحبه الذي فاق كل الانام بما هو أهل له وما أوجبه الله من محبته صلى الله عليه وسلّم حيث اوجب تعالى جل ذكره وعظم مقامه أن يكون أحب الى المسلم من نفسه وآبائه وأبنائه ومن في الأرض جميعا حتى يتم الإيمان ويكتمل للمسلم ففي الحديث
عن عبد الله بن هشام رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك))، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الآن يا عمر))؛ رواه البخاري[1]

والأحاديث كثيرة في هذا، فالمجتمع الصحراوي له لفتة خاصة عند ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن يتبع ذلك مباشرة الآباء دون ذكر أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم تلك الركائز الكبرى من البشر التي تعتبر أمثلة من البشر التي لو أتبعت لكان هناك الكثير من الخير فما هي الأسباب في القفز الى الآباء مباشرة رغم أن أولئك الاصحاب والانبياء يأتون كثيرا في الأمثلة والحكم الشعبية الصحراوية مثل "صبر أيوب وجمال يوسف" عليهما السلام.
لعل أهم عامل في هذا المجال هو شح المعلومات عن حياة هؤلاء الرجال والصحابة الكرام، والعامل الثاني هو تلك القدوة التي كان عليها الآباء الكرام، من ناحية الخلق الكريم وتفرد الأب الصحراوي بالولد وتلقينه أساليب الحياة المتنوعة الثرية والعميقة التي تملأ حياة الإنسان البدوي الصحراوي، ابتداء من أساليب الفروسية وما تلزم من قوة مبهرة للأبناء كركوب الابل ومهارات الرماية من فوقها والسباق بها والصيد بها وتقصي الأثر وترويضها وطرق التعامل معها ومصاحبتها ومداواتها وغيره كثير من الأمور التي يضيق الحديث عنها والتي يتم تلقينها، من تجربة ودروس حسب التطور العمري للابن والحاجة الماسة الى تكوينه الجسدي .
ثم أن ذلك التكوين الجسدي مرفقا بمعلومات موسوعية في المجال الروحي والعقلي، فحفظ القرآن الكريم وتعلم القراءة والكتابة والتفقه في فهم العبادات والاحكام الشرعية وغيرها من الأمور المتعلقة بذلك النبع الذي يظل الانسان المسلم ظمئا للاستزادة منه مدى الحياة.
ثم نأتي الى تكملة ثقافة المجتمع من ناحية الاخلاق والعادات والتقاليد والمعاملات ومعرفة الأرض والنجوم والنبات والتاريخ والانساب والشعر والامثال والحكم وغيره كثير مما يكتسب من مصاحبة الابن لأبيه او جده.
ان الاب في المجتمع الصحراوي هو والد واب ومدرسة وبالتالي كان بديهيا ان يظل الابن تحت وصاية الاب وتحت جناحه خاصة ان الاب لديه أيضا سنوات كثيرة من التجارب التطبيقية لتلك المفاهيم والأفكار والمعلومات القيمة وجدير بالتواضع والتسليم للمعلم الحبيب، وهذا الوصف ينطبق على الجد كذلك الذي بطبيعة الحال وطول العمر ستكون تجربته اكبر وأوسع وأرحب وبالتالي هو كنز آخر من التجربة ومورد ومعين للارتواء منه، وكل هذا الامر ينطبق على مدرسة الامومة التي لديها هي أيضا كم آخر ومدرسة أخرى من التعلم في مختلف مراحل تطور الابن أو البنت على حد سواء.
ان مدرسة البيت أو الخيمة الصحراوية سواء من الابوة أو الامومة 
كانت تنفرد بالإنسان الصحراوي بعيدا عن المجتمعات الأخرى وتغذيه من ثديها دون تدخل من العوامل الخارجية وكان الانسان الصحراوي يتشكل بتلك الطريقة، التي تزداد باحتكاكه بالمجتمعات القريبة الغريبة 
التي كان يتبادل معها بذكاء وحذر بعض المفاهيم والتجارب ويطور ادواته المعيشية دون ان يبدل طباعه وأخلاقه.
وقد كانت هذه من الأسباب الرئيسية التي وقفت في وجه الاستعمار حيث أن تماسك المجتمع الصحراوي وتركيبته الاجتماعية كانت وراء عجز الاستعمار وكسر كل محاولاته للهيمنة على شعبنا حتى سنوات قريبة لم يستطع الاستعمار أن يسيطر على شعبنا ابدا.
حقيقة في سنوات أخيرة وبعد تطوير أساليب العدو الجهنمية في القضاء على المقاومة في اتفاق المستعمر الاسباني والفرنسي وتطويق المقاومة المسلحة وبالتآمر مع البلاط الملكي أيضا، تم اعمال الجزرة والعصى خاصة بعد القضاء على الثروة الحيوانية وسنوات الجفاف القاسية التي مرت وفتح التدفق المعيشي في شبه تجمعات مدن صغيرة في محاولة لدفن المقاومة وجعلها من جيش المستعمر وعمليات فرق تسد التي انتهجها المستعمر من اجل السيطرة على السكان، كل تلك العوامل لم تستطع ان تمس الجوهر ولا ان تؤثر في عمق وتراكمات البناء الفكري والعقلي والروحي بل ظل متوهجا رافضا متحيزا ينتظر لحظة الخروج من قيد المستعمر.
ولم تجد الثورة الصحراوية بقيادة الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب مشكلا كبيرا في تأطير الشعب الصحراوي او العمل كثيرا من اجل ذلك، فكان انضمامه في لمح البصر للجهاد في سبيل حريته واستقلاله لان تلك الروح البدوية لا تزال مصانة ولاتزال مضيئة متوهجة.
وأمام ضربات الرجال الصحراويين الناجحة ضد الجيش الاسباني في مختلف تواجداته والالتحاق السريع بصفوف جيش التحرير الشعبي الصحراوي، كان الخيار واضحا أمام المستعمرين أنه إذا لم يقض على هذا الشعب فإن المؤامرات والاغراءات لن تنفع معه أبدا وبدأت المؤامرة الكبرى في اتفاقية 14 نوفمبر المشؤومة.
التي نابت الحكومات العميلة عن الاستعمار الاسباني في محاولة ذبح شعبنا في خيانة يندى لها الجبين، وكانت القنبلة في ام ادريكة وفي التفاريتي وغيرهما بالطائرات على الخيم سببا في نزوح عشرات الآلاف من أبناء شعبنا الى المخيمات في الجنوب الجزائري لحمايتها من حرب الإبادة وسنوات اللجوء القاسية التي كانت فرصة لتنظيم مقاومة شعبية كان لها الأثر العميق في ابطال مخططات الاستعمار ومشاريعه ليس في الصحراء الغربية فقط بل وفي افريقيا والعالم.
إن تلك التحولات السريعة في أسلوب الحياة والبيئة وطرق التفكير سيكون لها الأثر الكبير إيجابا وسلبا على المجتمع الصحراوي، وأثرت على بنية الأسرة الصحراوية وعلى القيم والأعراف والتقاليد والعادات، وكانت سنوات الحرب المفروضة على شعبنا جعلت المقاتل الصحراوي المرابط بعيدا عن الولد وعن الاسرة الا أياما قليلة على طول السنوات، وجعلت الولد لضرورة التمدرس والتعلم في المدارس بعيدا عن الاسرة في تجمعات او في الخارج لسنوات تعزله عن بيئته الاصلية.
ان دور الابوة والأمومة ودفئ الاسرة، كانت أولى التضحيات التي دفعها شعبنا من اجل نيل حريته.
إن فقدان البيئة الاقتصادية التي كان يعيش منها الانسان الصحراوي وتغييرها لبيئة أخرى غريبة -الاعتماد على المساعدات-ضحية أخرى أكبر مما نتصور ويجب العمل على ارجاع تلك الأساليب التي تعتمد على ان يظل المجتمع منتجا للإبل والغنم وراعيا وتطوير أساليب ذلك بما يتاح من الوسائل التي تؤمنها لما في ذلك من مخزون ليس اقتصادي فحسب بل ثقافي أيضا.
إن كل ذلك يعني الكثير في التحولات الكبرى في المجتمعات ،حيث اننا لا نقدم لأجيالنا وأبنائنا اليوم الا اليسير القليل من تلك الثقافة الصحراوية العميقة التي فقدناها .
بل ونقدم للعالم مجتمعا جديدا فقد الكثير من الأصالة لا يلبس ثوبه الأصلي الرزين الساتر وكأننا نقلد غيرنا وكأنما نحن عرايا.
إن المجتمع الصحراوي الآن في مرحلة كبرى من التحول التي لم تتوقف ولا زالت التغيرات مستمرة نتيجة الشتات والاستعمار وكذا الاحتكاك المستمر بالجيران وما إدراك ما الجيران أضافة الى الهجرة نحو الغرب، وعلى المجتمع الصحراوي أن يكثف العمل الثقافي الأصيل خاصة في الجانب الدراسي 
كي يحمل أبناءنا جينات المجتمع الاصلية وعلى الاسرة الدور الأكبر في تلقين أبنائها تلك الثقافة التي ابدا لا تعني التعليم والتعلم وعليها الن تلقنه أولا روح الاسلام النقية الصافية التي تتجه الى عمل القلوب قبل الابدان وزرع حب الله ونبيه وحب الناس والعمل من أجل الآخرة.
إن الجانب الديني والبحث عن القدوة الصالحة خاصة تبقى من أهم الأمور التي يجب التركيز عليها وإن لم تكن في الأنبياء والصحابة الكرام ففي الشهداء الذين ضحوا في سبيل حرية الوطن كمواطنين نزهاء قدموا أغلى ما يملكون روح المقاومة والشجاعة والكرم والايثار التي هي من المميزات الكبرى لمجتمعنا.
بقلم : مركز بنتيلي الإعلامي

بقلم : مركز بنتيلي الاعلامي

مـــــركــــز بــنــتــــيــــلــــــي الإعـــلامــــــي .

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد الموقع أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

عن الموقع

تغريداتي

جميع الحقوق محفوظة

مركز بنتيلي الإعلامي

2018